في متحف رودان بباريس، وفي قاعةٍ تحمل اسم رجلٍ آخر، لا يزال «سنّ النضج» معروضًا. إنه المنحوتة ذاتها التي بدأت بها هذه الحكاية: الرجل الذي تجرّه الشيخوخة، والمرأة الشابة الجاثية على ركبتيها تتوسّل عاجزةً عن استبقائه. موقّعة باسم كامي كلوديل. لها، من غير نزاع، ومن غير التباسٍ في الوثائق. ومع ذلك تعيش هناك، على جدرانه، كملحقٍ أبديٍّ بمجدٍ لم تشاركه هي قطّ في حياتها. تلك هي المرآة الأولى: حتى حين تكون نسبة العمل لا تقبل الجدل، يبقى اسم رودان السقف الذي تحته توجد كامي في نظر الجمهور. أما المرآة الثانية فأقدم وأقلّ حسمًا. فالسؤال الذي طرحه أحد المؤرخين عام ألفٍ وتسعمائةٍ وثمانيةٍ وثمانين حول أيدي «شاكونتالا» وأيدي الأعمال الموقّعة باسم رودان وحده، لا يزال حيث تركناه تمامًا: بلا وثيقةٍ قاطعةٍ تُغلقه. يحافظ متحف رودان على نسبة الأعمال كما وُقِّعت قبل أكثر من قرن. ويصرّ مؤرخون آخرون على أن نظام «الحرفيّ المنفّذ» (practicienne)، حيث كان المساعدون ينحتون دون توقيع، جعل من المستحيل بنيويًّا أن تُسجَّل نسبة العمل الفردية، وأن غياب الدليل بالتالي ليس دليلًا على الغياب. ثمة صوتٌ ثالث، أكثر تحفّظًا، يذهب إلى ما يُقلق الفريقين معًا: ربما لن يوجد جوابٌ علميّ حاسم أبدًا، لأن مرسم القرن التاسع عشر نفسه صُمِّم بحيث يستحيل طرح هذا السؤال أصلًا. في التاسع عشر من أكتوبر عام ألفٍ وتسعمائةٍ وثلاثةٍ وأربعين، توفيت كامي كلوديل في مصحّة مونتديفيرغ، إبّان الاحتلال الألماني لفرنسا، دون أن يطالب أحدٌ من أفراد عائلتها بجثمانها. دُفنت في قبرٍ فرديٍّ داخل مقبرة المصحّة، في قطعةٍ لم يدفع أحدٌ ثمن الإبقاء عليها. وحين انقضت مدّة الامتياز، نُقلت رفاتها إلى مقبرةٍ جماعية. ولا يوجد اليوم مكانٌ ماديٌّ يشير إلى حيث ترقد. وها هي التفصيلة التي لا يقدر رقمٌ بمفرده على حملها. ماتت كامي وهي على يقينٍ من أن العالم سينساها نسيانًا تامًّا، وأن اسمها سيتلاشى مع أعمالها المبعثرة وجسدها الذي لا قبر له. لم تُدرِك أن معارض استعادية أُقيمت في فرنسا بعد عقود ستستعيد مراسلاتها، وتعيد بناء الفهرس المتفرّق لأعمالها، وأن متحفًا سيحمل اسمها أخيرًا في نوجان-سور-سين، المدينة التي كانت تشكّل فيها الطين طفلةً في سقيفةٍ لأن أمها كانت تمنعها من دخول البيت. ماتت من غير اليقين الذي نملكه نحن اليوم: أن اسمها قد نجا بالفعل. لم يُتَح لها أن تعلم بالشيء الوحيد الذي كانت تتمنى سماعه. ومن بين الرسائل التي كتبتها من مونتديفيرغ، ونُشرت بعد عقودٍ من وفاتها، سطرٌ يختزل ثلاثين عامًا من مطالبةٍ بلا جواب، موجَّهةً إلى أخٍ لم يزرها إلا حفنةً من المرات: «لستُ مجنونة، وأنتم تعلمون ذلك حقّ العلم». تلك الكلمات لم تبلغ يومًا أن تغيّر مصيرها في حياتها. وهي اليوم، ربما، العبارة التي تُذكَر بها أكثر من سواها. يبقى إذن السؤال الذي لا يستطيع أيّ أرشيفٍ حسمه بعد. لو أن تحليلًا علميًّا أكّد غدًا أن يدَي كامي كلوديل شكّلتا تحفًا خالدةً لا تحمل اليوم سوى توقيع أوغست رودان، أفكان ذلك سيغيّر مَن يستحقّ أن يُذكَر؟ أم أن تاريخ الفن قد بلغ من الشيخوخة، ومن الترسّخ المؤسسي في متاحفه وفهارسه، حدًّا لم يعد معه قادرًا على تصحيح نفسه بعد قرنٍ كامل؟ كانت مراسم فناني القرن التاسع عشر تعمل كأيّ نظامٍ يُنتج العظمة العلنية من...
続きを読む
一部表示