أربعونَ في المئة. من كلِّ درهمِ ضريبة، وكلِّ دولارِ معونة، وكلِّ برميلِ نفط، نحوَ أربعينَ في المئةِ من الموازنةِ الوطنيّةِ بأكملِها، تُنهَبُ عامًا بعد عام، عقودًا. لا هدرًا ولا سوءَ كفاءة. بل سرقة: طرقٌ تُشَقُّ بموادَّ رديئةٍ ليجنيَ المقاولونَ الفرق، ووظائفُ حكوميّةٌ تُباعُ لمن يدفعُ أكثر، ومستشفياتٌ تُبقى ناقصةَ الكادرِ عمدًا كي يدفعَ المرضى رشًى ليراهم طبيب. خُذْ عقدًا واحدًا قبل الحربِ فحسب، وذلك نحوَ ثمانيةٍ وأربعينَ مليارَ دولار، وهو ما يكفي لبناءِ عشراتِ المستشفياتِ الكبرى كلَّ عام، أو لتزويدِ مليونينِ ونصفِ المليونِ من البيوتِ بالطاقةِ الشمسيّة، أو لتمويلِ نظامِ التعليمِ السوريِّ بأكملِه أضعافًا.وإليكَ الجملةَ التي ينبغي أن تُوقِفَك: قبل أن تسقطَ قنبلةٌ واحدة، كانت سوريا قد سرقَتْ إعادةَ إعمارِها من خزينتِها بيدِها.وإليكَ السؤالَ الذي لا تتهرّبُ منه هذه الحلقة: هل تدميرُ نظامٍ بهذا القدرِ من الفساد، بلغةٍ استراتيجيّةٍ باردة، فرصة؟ وهل يُباحُ لنا أصلًا أن نجهرَ بذلك؟الكارثةُ في الأرقامأربعونَ في المئةِ نسبةٌ، لا شعور، فلنجعلْها شعورًا. إن كان الناتجُ المحلّيُّ لسوريا قبل الحربِ نحوَ ستّينَ مليارَ دولار، والموازنةُ عشرينَ في المئةِ منه تحفُّظًا، فالموازنةُ نحوُ اثني عشرَ مليارَ دولارٍ سنويًّا. ونهبُ أربعينَ في المئةِ يعني نحوَ أربعةِ مليارٍ وثمانِمئةِ مليونِ دولارٍ تُسرَقُ كلَّ عام؛ أي نحوَ ثمانيةٍ وأربعينَ مليارًا عبرَ عقدِ ما قبلَ الحرب. وذلك الرقمُ وحدَه، فسادُ عقدٍ واحد، يُقارِبُ خُمسَ الحدِّ الأدنى لتقديرِ كلفةِ إعادةِ الإعمارِ اليوم.بل إنّ الفسادَ ليس أسوأَ ما في الأمر. الأسوأُ هو انعدامُ الكفاءةِ الذي أنتجَه. يستندُ الكتابُ إلى تحليلِ بريان ويتاكر لإخفاقاتِ التنميةِ في الشرقِ الأوسط، الذي يرى أنّ فسادًا كفسادِ سوريا لا يقومُ وحدَه، بل هو ثمرةُ عجوزاتٍ ثلاثٍ يُغذّي بعضُها بعضًا. عجزٌ في الحرّيّة، حيثُ يُقمَعُ الاعتراضُ فلا تُتاحُ مساءلةُ السياساتِ السيّئة. وعجزٌ في المعرفة، حيثُ يُكافئُ التعليمُ الحفظَ عن ظهرِ قلبٍ وتُهمَّشُ الخبرةُ التقنيّة. وعجزٌ في تمكينِ المرأة، حيثُ لا يُستثمَرُ نصفُ ذكاءِ الأمّةِ وطاقتِها البتّة. ويُغذّي كلٌّ منها الآخَرَ في حلقةٍ مفرغة. فالفساد، إذن، هو الدخان. أمّا العجوزاتُ فهي النار.وكانت النتائجُ قابلةً للقياس. كانت محطّاتُ الكهرباءِ السوريّةُ تعملُ بكفاءةٍ حراريّةٍ بين ثمانيةٍ وعشرينَ واثنينِ وثلاثينَ في المئة، مقابلَ أفضلِ ممارسةٍ عالميّةٍ بين خمسةٍ وأربعينَ وخمسةٍ وخمسين؛ أي إنّها تحرقُ ضِعفَ وقودِ المحطّةِ الجيّدةِ تقريبًا لإنتاجِ الكهرباءِ نفسِها. وكانتِ المباني تلتهمُ أربعةً وستّينَ في المئةِ من كهرباءِ البلاد، مع أنّ تحسيناتٍ أساسيّةً كان يمكنُها أن تخفضَ أحمالَ التدفئةِ والتبريدِ بين ستّينَ وخمسةٍ وسبعينَ في المئة؛ ولم يُنفَّذْ منها شيء، لأنّ النظامَ كان يُكافئُ الواسطةَ لا الكفاءة. وكان دعمُ الطاقةِ يلتهمُ بين خمسةَ عشرَ وعشرينَ في المئةِ من الموازنةِ كلَّ عام، لا لأنّ إنتاجَ الطاقةِ باهظ، بل لأنّ الإنتاجَ كان من الهدرِ بحيثُ لا يقدرُ أحدٌ على تحمّلِ كلفتِه من دونِ دعم. وكانتِ الأسرُ العاديّةُ تُنفِقُ رُبعَ دخلِها إلى ثُلثِه...
続きを読む
一部表示